محمد حسين علي الصغير
39
نظرية النقد العربي ( رؤية قرآنية معاصرة )
بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء ، وأن يوقع السامع من طلبه خبط عشواء ، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده كمن يثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها . والحملة على المحسنات البديعية لا تقلل من أهمية اللفظ ، ومنزلته في تقويم المعنى ، ولكن الإغراق بأصناف البديع يجعل اللفظ فارغاً إلا من جمال الهيئة الذي قد يعود وبالًا على اللفظ ، كما تعود أشتات الحلي ثقلًا على الحسناء يوردها التلف . ومن خلال ما تقدم تتضح أبعاد المعركة النقدية بين اللفظ والمعنى ، وقد تجلى فيها أن الجاحظ والعسكري معنيان بحسن الصياغة وجزالة الألفاظ وقد عللنا هذا الرأي بصدوره عن دوافع نفسية وسياسية وقومية ، انتهت بإناقة اللفظ وجرس الكلمة . ولاحظنا بعد ذلك المقاييس النقدية عند ابن قتيبة بإرجاعها القيمة الفنية إلى القسيمين اللفظ والمعنى ، واتفقنا معه في أصل الحكم والموضوع وناقشنا عن صحة تطبيقه لهذا الحكم . ووقفنا عند رأي ابن رشيق في عدم الفصل بين اللفظ والمعنى وتكوينهما للوحدة الفنية في أي نموذج أدبي ، وصاحبنا سيرورة هذا الرأي عند القدامى والمحدثين الغربيين والعرب ، واستأنسنا بآراء ثلاثة من النقاد العرب : الشائب وطبانة وضيف ، ووقفنا مع الأخير وقفة المقوم لرأيه والقائل بتفصيله ورسمنا من خلال ذلك انطلاقنا في تحديد أبعاد القضية ، ثم عرضنا لرأي عبد القاهر ، واختتمنا الموضوع بلقطات من كلامه وشذرات من تحقيقاته ، ورأينا أن له الفضل في كشف العلاقة بين اللفظ والمعنى بما لهما من مميزات متنافرة ، وانتهينا عنده بالتعبير بالنظم وحسن التأليف عن الصورة الأدبية .